الآلوسي
218
تفسير الآلوسي
ولما صدر عنهم من المقالة حسبما سيحكى عنهم . * ( وَزدْنَاهُمْ هُدًى ) * بالتثبيت على الايمان والتوفيق للعمل الصالح والانقطاع إلى الله تعالى والزهد في الدنيا . وفي التحرير المراد زدناهم ثمرات هدى أو يقيناً قولان وما حصلت به الزيادة امتثال المأمور وترك المنهي أو إنطاق الكلب لهم بأنه على ما هم عليه من الايمان أو إنزال ملك عليهم بالتبشير والتثبيت وإخبارهم بظهور نبي من العرب يكون به الدين كله لله تعالى فآمنوا به صلى الله عليه وسلم قبل بعثه اه . ولا يلزم من القول بإنزال ملك عليهم بذلك القول بنبوتهم كما لا يخفى . وفي * ( زدناهم ) * التفات من الغيبة إلى التكلم الذي عليه سبك النظم الكريم سباقاً وسياقاً ، وفيه من تعظيم أمر الزيادة ما فيه . * ( وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُواْ فَقَالُواْ رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاواتِ والاَْرْضِ لَن نَّدْعُوَاْ مِن دُونِهِ إِلاهاً لَّقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا ) * * ( وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبهمْ ) * قويناها بالصبر فلم تزحزحها عواصف فراق الأوطان وترك الأهل والنعيم والإخوان ولم يزعجها الخوف من ملكهم الجبار ولم يرعها كثرة الكفار ، وأصل الربط الشد المعروف واستعماله فيما ذكر مجاز كما قال غير واحد . وفي الأساس ربطت الدابة شددتها برباط والمربط الحبل ، ومن المجاز ربط الله تعالى على قلبه صبره ورابط الجاش . وفي " الكشف " لما كان الخوف والتعلق يزعج القلوب عن مقارها ألا ترى إلى قوله تعالى * ( وبلغت القلوب الحناجر ) * قيل في مقابله ربط قلبه إذا تمكن وثبت وهو تمثيل . وجوز بعضهم أن يكون في الكلام استعارة مكنية تخييلية ، وعدي الفعل بعلي وهو متعد بنفسه لتنزيله منزلة اللازم كقوله : يجرح في عراقيبها نصلي * ( إذْ قَامُوا ) * متعلق بربطنا ، والمراد بقيامهم انبعاثهم بالعزم على التوجه إلى الله تعالى ومنابذة الناس كما في قولهم : قام فلان إلى كذا إذا عزم عليه بغاية الجد ، وقريب منه ما قيل المراد به انتصابهم لإظهار الدين . أخرج ابن المنذر . وابن أبي حاتم أنهم خرجوا من المدينة فاجتمعوا وراءها على غير ميعاد فقال رجل منهم : هو أشبههم إني لأجد في نفسي يئاً ما أظن أحداً يجده قالوا : ما تجد ؟ قال : أجد في نفسي أن ربي رب السماوات والأرض فقالوا أيضاً : نحن كذلك فقاموا جميعاً * ( فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَوَات وَالأَرْض ) * وقد تقدم آنفاً عن ابن عباس القول باجتماعهم على غير ميعاد أيضاً إلا أنه قال : إن بعضهم أخفى حاله عن بعض حتى تعاهدوا فاجتمعوا على كلمة فقالوا ذلك . وقال صاحب الغنيان المراد به وقوفهم بين يدي الجبار دقيانوس ، وذلك أنهم قاموا بين يديه حين دعاهم إلى عبادة الأوثان فهددهم بما هددهم فبينما هم بين يديه تحركت هرة وقيل فارة ففزع الجبار منها فنظر بعضهم إلى بعض فلم يتمالكوا أن قالوا ذلك غير مكترثين به ، وقيل المراد قيامهم لدعوة الناس سراً إلى الايمان . وقال عطاء : المراد قيامهم من النوم وليس بشيء ، ومثله منا قيل إن المراد قيامهم على الايمان ، وما أحسن ما قالوا فإن ربوبيته تعالى للسموات والأرض تقتضي ربوبيته لما فيهما وهم من جملته أي اقتضاء ، وأردفوا دعواهم تلك بالبراءة من إله غيره عز وجل فقالوا : * ( لَنْ نَدْعُوا مِنْ دُونه إلاهاً ) * وجاؤا بلن لأن النفي بها أبلغ من النفي بغيرها حتى قيل إنه يفيد استغراق الزمان فكيون المعنى لا نعبد أبداً من دونه إلهاً أي معبوداً آخر لا استقلالاً ولا اشتراكاً ؛ قيل وعدلوا عن قولهم رباً إلى قولهم * ( إلهاً ) * للتنصيص على رد المخالفين حيث كانوا يسمون أصنامهم آلهة ، وللإشعار بأن مدار العبادة وصف الألوهية ، وللإيذان بأن ربوبيته تعالى بطريق الألوهية